ميناء الناظور غرب المتوسط: الأفق الازرق للمغرب

من الخطأ النظر إلى ميناء الناظور غرب المتوسط كمجرد إضافة إلى شبكة الموانئ المغربية، بل هو أداة لإعادة التموضع الاستراتيجي للبلد داخل منظومة التجارة الدولية وكذلك للاستفادة من الميزة التنافسية التي تخص موقع المغرب الاستراتيجي والذي يعتبر قطبا يربط دول شمال المتوسط بجنوبه وكذلك دول الأمريكيتين.

يمتلك المغرب ميناء طنجة المتوسط كنقطة ارتكاز على مضيق جبل طارق، الناظور غرب المتوسط كنقطة ارتكاز داخل المتوسط وكذلك مشروع الداخلة الأطلسي والذي سيكون كحلقة وصل بين الصحراء المغربية ودول غرب افريقيا بالإضافة الى ذلك يعتبر فضاء وبنية تحتية كفيلة بإنجاح مشروع ولوج دول الساحل الحبيسة (مثل مالي، النيجر، بوركينا فاسو، وتشاد) إلى المحيط الأطلسي، ليصبح ميناء الداخلة الاطلسي جسرا للتنمية الإقليمية، بحيث سيمكن من معالجة البضائع الأفريقية في الموقع وتصديرها تحت علامة ”صنع في أفريقيا” من خلال ربط مصير جيرانه الجنوبيين بمصيره الاقتصادي، وبذلك تحقيق تحالفا استراتيجيا يتقاسم فيه الرخاء بين الجميع.

 هذا التوزيع ليس اعتباطيا بل يعد تنزيلا لاستراتيجية المغرب اللوجستية وكذلك الاستراتيجية المينائية لسنة 2030، فطنجة المتوسط مثلا يخدم منطق التحكم في العبور العالمي شرق غرب بينما الناظور غرب المتوسط يخدم منطق التموقع داخل الشبكة المتوسطية، بمعنى آخر، المغرب لا يراهن على ميناء واحد مهيمن، او على موانئ متنافسة فيما بينها، بل على شبكة موانئ بوظائف متكاملة.

مأزق هرمز والبديل الأطلسي.

يعتبر مضيق هرمز “شريان الحياة” للاقتصاد العالمي، حيث يمر عبره 25% من نفط العالم و20% من الغاز المسال. إغلاقه يعني بالدرجة الأولى صدمة سعرية للسوق الطاقية بحيث سيتجاوز سعر البرميل لـ 100 دولار، وكذلك تأثير سلبي على إمدادات الغاز المسال (خاصة القطرية) لعدم وجود بدائل أنابيب على بعض الدول المجاورة التي تملك بعض البدائل لتسويق منتجاتها للعالم.

بعيدا عن هذه التداعيات المتفرقة، يبقى المتضرر الوحيد من الحرب على إيران واغلاق معبر هرمز هو القوى الاقتصادية الكبرى كالصين بالدرجة الأولى بحيث تعتمد الصين على المضيق لتمرير أكثر من 30% من إجمالي وارداتها النفطية.

في ظل هذا الارتباك في الشرق الأوسط، يبرز المغرب كـمركز بديل لتخزين استراتيجي للإمدادات المتوجهة نحو الأطلسي وأوروبا وأفريقيا بعيدا عن مناطق الصراع، بحيث سيستفيد ميناء الناظور غرب المتوسط المصمم أصلا وخصيصا للطاقة من تخزين المنتجات النفطية والغازية للسوق المغربية عبر ربط أنبوب تندرارة بالأنبوب الأطلسي وكذلك كمحطة تربط السوق الأوروبية بالأفريقية.

صحوة” جزيرة “استراتيجية

يبرز المغرب اليوم كـفاعل مهم للتجارة العالمية، بحيث يحول موقعه الجغرافي إلى جسر لوجستي وطاقي لا غنى عنه بين قارتين. وتستند هذه الأهمية الاستراتيجية إلى رؤية ذات محورين: أحدهما متجه نحو أوروبا والآخر متجذر في عمق أفريقيا.

واليوم، لم يعد البلد يكتفي ببناء البنى التحتية للموانئ، بل إنه يبني بنية سيادية ونفوذ عالمي. هذا الانتقال من العزلة إلى الترابط المتحكم فيه يمثل ولادة قوة لوجستية قادرة على تحديد اتجاهات التجارة الدولية الجديدة.

موقع غرب المتوسط: قوة استراتيجية صامتة

يمثل مشروع الناظور غرب المتوسط، الذي يقع في موقع استراتيجي على ساحل الريف، تحولا حقيقيا للتوازنات التقليدية في غرب البحر الأبيض المتوسط.. على مدى عقود، استفادت موانئ ألجيسيراس وفالنسيا الإسبانية من احتكار شبه كامل على عمليات الشحن الإقليمية. لكن الان يكسر الناظور غرب المتوسط هذا التباين في التبعية من خلال تقديم بديل عالمي.

بفضل رصيفه الذي يبلغ طوله 1.5 كيلومتر وعمق مياهه الاستثنائي الذي يبلغ 18 متراً، يستطيع استقبال أكبر السفن في العالم في حين أن البنى التحتية الأوروبية القديمة غالبا ما تصل إلى حدودها القصوى. لكن الاختلاف الحقيقي يكمن في تخصصه كمركز طاقي متميز، يركز على التكرير والغاز الطبيعي.

ما يميز كذلك موقع ميناء الناظور هو انه لا يقع على المضيق مباشرة، وهذا في الظاهر نقطة ضعف، لكنه استراتيجيا ميزة تنافسية بحيث ان الموانئ القريبة جدا من المضيق (طنجة، الجزيرة الخضراء) تخضع لضغط مرور عالمي كثيف على عكس ميناء الناظور يتموضع على خطوط الشحن المتوسطية التي تخدم جنوب أوروبا (إسبانيا، إيطاليا، فرنسا) ، شمال إفريقيا وكذلك الترانزيت القصير (Short Sea Shipping).

لماذا يعد قطبا عالميا للطاقة؟

تم تصميم الميناء ليكون مركزا محوريا للهيدروكربونات، حيث يركز على ثلاثة محاور رئيسية:

  • التخزين الاستراتيجي: طاقة استيعابية هائلة تصل إلى 25 مليون طن سنوياً
  • التكرير والتوزيع: يعمل كحلقة وصل حيوية بين منتجي النفط والغاز في الشرق والأسواق الاستهلاكية في أوروبا وأمريكا.
  • التموين البحري: توفير خدمات الوقود للسفن العملاقة في منطقة مستقرة بعيدا عن بؤر التوتر.
  • احتضان أول محطة للغاز الطبيعي المسال (LNG) في المغرب، مما سيعزز الأمن الطاقي للبلاد.

يتمتع الميناء بمواصفات هندسية ولوجستية عالمية، تشمل:

  • حواجز أمواج بطول 4 كيلومترات، وأرصفة تمتد لـ 4 كيلومترات.
  • 4 محطات لتوليد الطاقة، بالإضافة إلى استضافة أول محطة للغاز الطبيعي المسال (LNG) في المغرب بطاقة 5 مليارات متر مكعب سنوياً.
  • أعلنت مجموعة ShibataFenderTeam (SFT) الألمانية، وهي واحدة من الشركات الرائدة عالمياً في تصنيع أنظمة حماية الموانئ، عن فوزها بعقد ضخم لتجهيز هذا المركب المينائي الاستراتيجي.
  • تخصيص منطقة صناعية ولوجستية ضخمة تبلغ مساحتها 700 هكتار.

شفيق بنصفية

أستاذ باحث